
طشقند… مدينة تتحدث بالفن: الموزاييك يحفظ ذاكرة العاصمة الأوزبكية
تعدّ طشقند واحدة من المدن القليلة في العالم التي أصبحت فيها اللوحات الموزايكية جزءًا من الهوية البصرية والثقافية للمدينة. فاليوم، تزيّن أكثر من 500 لوحة موزاييك واجهات المباني السكنية والمنشآت العامة، من الجداريات الضخمة إلى الأعمال الصغيرة داخل محطات المترو والساحات، مما يجعل العاصمة الأوزبكية مرشحة لدخول موسوعة غينيس للأرقام القياسية كإحدى أكثر المدن امتلاكًا للأعمال الموزايكية في العالم.

هذه الأعمال التي تشكّل إرثًا فنيًا فريدًا، وُلدت خلال فترة ازدهار الحداثة السوفيتية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حين كلّفت الدولة نخبة من الرسامين والمعماريين المحليين والأجانب بإنشاء لوحات تعبّر عن قيم التقدّم، والعمل، والعلم، والصداقة بين الشعوب. ومن أبرز الأسماء التي ارتبطت بتاريخ الموزاييك في تاشكند الأخوة جارسكي – بيوتر، نيكولاي، وألكسندر – الذين لعبوا دورًا محوريًا في تشكيل الملامح البصرية للمدينة بعد الزلزال المدمر عام 1966.
كانت البداية حين لاحظ بيوتر جارسكي كومة من قطع السيراميك المكسور في أحد مصانع الخرسانة، فحوّلها إلى فكرة ثورية: تزيين الواجهات الرمادية بلوحات نابضة بالحياة تمزج رموز الشرق وروح العصر. ومع مرور الزمن، انتشرت هذه الأعمال في كل أرجاء المدينة، من الأبنية السكنية إلى المحطات العامة والنوافير.
لكن مع تسعينيات القرن الماضي، تعرضت العديد من هذه اللوحات للإهمال أو الإزالة نتيجة إعادة الإعمار أو غياب الوعي بأهميتها التراثية، حتى بدأت جهود الإنقاذ الفعلية عام 2020 بمبادرة من باحثين ونشطاء وثّقوا الأعمال المتبقية ودعوا لحمايتها. وفي عام 2024، أطلقت بلدية تاشكند مشروع “موزاييك تاشكند” بهدف دراسة هذه الجداريات وتسجيلها رقمياً باستخدام تقنيات الواقع المعزز، ما سمح بـ”إحياء” أكثر من 20 لوحة وإظهارها بتقنيات ثلاثية الأبعاد.
صحيفة “Газета” الأوزبكية نظّمت جولة ميدانية في أنحاء العاصمة بالتعاون مع الناشطة والباحثة في العمارة الحديثة فاطمة عبد الرحمنوفا، لاختيار أبرز 12 لوحة رمزية من كل منطقة. وتعود أول لوحة موزاييك في تاريخ تاشكند إلى عام 1969، حين صمّمها بيوتر جارسكي على واجهة مبنى في منطقة تشيلونزور، لتصبح بداية رحلة فنية حولت تاشكند إلى متحف مفتوح تحت السماء.

