مشروع “Dmed” يربط جميع العيادات إلكترونيًا ويؤسس لنواة نظام صحي ذكي بحلول عام 2026
طشقند – تشهد أوزبكستان تحولًا جذريًا في قطاع الرعاية الصحية مع إطلاق منصة وطنية موحّدة للصحة الرقمية، تهدف إلى دمج جميع المؤسسات الطبية في منظومة إلكترونية واحدة، تتيح للمواطنين الحصول على خدمات طبية متكاملة ومتابعة ملفاتهم الصحية إلكترونيًا في أي مكان داخل البلاد.
جاء المشروع ضمن تكليف رئاسي في نهاية عام 2023، عقب زيارة الرئيس الأوزبكي إلى مجمّع IT Park، حيث تم اختيار شركة Uzinfocom — المتخصصة في تطوير الأنظمة الحكومية الرقمية — كجهة تنفيذ وتشغيل المنصة الوطنية.

من الفوضى التقنية إلى النظام الموحّد
قبل نقل الصلاحيات إلى Uzinfocom، كانت المستشفيات والعيادات تعمل بأنظمة معلومات داخلية متفرقة وغير مترابطة، ما أدى إلى غياب هوية رقمية موحدة للمرضى وصعوبات في أرشفة البيانات.
ومنذ منتصف عام 2024، بدأت الشركة جردًا شاملاً لجميع المراكز الطبية، لتحديد جاهزيتها التقنية. وأظهرت النتائج نقصًا بأكثر من 75 ألف جهاز حاسوب وانعدام الاتصال بالشبكات في عدد من المناطق الريفية.
استجابة لذلك، أقرّ الرئيس خطة لتزويد المرافق الصحية بالمعدات والبنية التحتية، وشُرع بتوزيع 12 ألف محطة عمل رقمية تضم حواسيب وطابعات حرارية وكاميرات وأجهزة مسح ضوئي، بدءًا من العاصمة طشقند وأقاليم سرداريا وقره قلباقستان.
نظام “Dmed”… قلب التحول الصحي
بالتوازي مع تطوير البنية التحتية، أطلقت Uzinfocom النظام الطبي الموحّد “Dmed” لإدارة الملفات الصحية إلكترونيًا. ويعمل النظام حاليًا في أكثر من 150 عيادة في طشقند، حيث يمكن للمرضى التسجيل عبر تطبيق Dmed، أو بوابة my.gov.uz، أو أجهزة الخدمة الذاتية في المستشفيات.
كل مريض يمتلك بطاقة صحية رقمية مخصصة تتضمن تاريخه الطبي، نتائجه المخبرية، وصفاته الإلكترونية، وتقارير الأطباء، مع إمكانية التعريف عبر Face ID أو الرقم الوطني.
النظام يربط الأطباء والمختبرات والمخازن والصيدليات، ما يسمح بتبادل البيانات في الوقت الحقيقي وتقليل الأخطاء.

الوصفة الإلكترونية والأمان السيبراني
وللحد من ظاهرة بيع الأدوية دون وصفة، طُوّر نظام الوصفة الإلكترونية الذي يُلزم الصيدليات ببيع الدواء فقط بعد مسح رمز QR للوصفة المسجلة في النظام.
وقد تم اختبار التقنية بنجاح في إقليم قبراي قرب طشقند، إلا أن تعميمها على مستوى البلاد يتطلب تحديث الإطار القانوني وتجهيز الصيدليات بالأجهزة اللازمة لقراءة الرموز وتوثيق العمليات إلكترونيًا.
أما من جانب الأمان، فالنظام يلتزم بحفظ جميع البيانات الطبية داخل خوادم حكومية في أوزبكستان حصراً، مع تشفير مركزي يمنع التسريب أو التعديل غير المصرّح به.
ففي السابق، تم رصد تسرب بيانات لأكثر من 100 غيغابايت من قواعد بيانات خاصة إلى الإنترنت المظلم، مما دفع الدولة لاعتماد مركزية صارمة للبيانات الصحية.
التحديات البشرية والهيكلية
أحد أبرز التحديات تمثّل في ضعف الثقافة الرقمية لدى الكوادر الطبية، خصوصًا الجيل الأكبر سنًا، ما أدى إلى بطء في تبنّي الأنظمة الجديدة.
ولتجاوز ذلك، استحدثت Uzinfocom وظيفة جديدة تحت مسمى “الممرضة التقنية – IT Nurse” لتدريب العاملين والإشراف على إدخال البيانات بشكل صحيح.
كذلك تتعاون الشركة مع وزارة الصحة من خلال فريق عمل مشترك لإعادة تصميم العمليات الإدارية القديمة بما يتوافق مع بيئة العمل الرقمية الجديدة.
نواة الصحة الإلكترونية والتكامل الكامل بحلول 2026
أحد أهم مكونات المشروع هو إنشاء “نواة الصحة الإلكترونية” — قاعدة بيانات وطنية متكاملة تحتوي على معلومات المرضى والأطباء والوصفات والمختبرات وشركات التأمين.
وستربط النواة جميع الأطراف عبر واجهة موحدة (API)، دون الحاجة لتخزين البيانات محليًا في كل مؤسسة، ما يعزز الشفافية ويقلل الازدواجية.
يُنفَّذ المشروع وفق المعايير الدولية FAIR لضمان التوافق مع أنظمة ألمانيا وإستونيا والنمسا وسنغافورة، بمشاركة خبراء من هذه الدول.
ومن المقرر تشغيل النواة رسميًا بنهاية عام 2026، ليصبح النظام قادرًا على توليد بيانات لحظية عن الحالة الصحية للسكان، وتحسين سرعة اتخاذ القرار الطبي والإداري.
إصلاح مالي يعتمد على التأمين الصحي
إلى جانب الرقمنة، تشهد أوزبكستان تحولًا في نموذج تمويل القطاع الصحي نحو نظام التأمين الطبي، بحيث يتم الدفع للمؤسسات الصحية حسب عدد الحالات المعالجة فعليًا بدلاً من التمويل الثابت.
هذا النموذج الجديد يخلق منافسة إيجابية بين العيادات، ويركّز على جودة الخدمة وسرعة الاستجابة، ما يجعل التمويل أكثر عدالة وكفاءة.

نحو منظومة صحية شفافة ومستدامة
تهدف هذه الإصلاحات إلى بناء نظام صحي رقمي موثوق وشفاف، يمنع التلاعب بالبيانات ويُحسّن إدارة الموارد البشرية والمالية، ويمنح المواطنين تجربة صحية موحدة من أي مكان داخل أوزبكستان.
وبحلول عام 2026، من المنتظر أن تتحول أوزبكستان إلى واحدة من الدول الرائدة في آسيا الوسطى في مجال الصحة الرقمية، مستفيدة من التجارب الأوروبية والآسيوية في التحول الرقمي المستدام.

