هناك أفلام لا تظهر فيها العمارة كخلفية صامتة، بل كحضور حيّ له إيقاعه وتأثيره الخاص على الحركة والانتباه. مشاهدة هذه الأعمال تعني اختبار المكان بطريقة مختلفة؛ ليس فقط بوصفه شيئاً يُرى، بل فضاءً يُعاش ويُحس.
في برنامج حديث أُقيم في تبليسي، قدّمت إيرينا كورتشفيللي حواراً فريداً بين السينما والعمارة، مستكشفة النقطة التي تتقاطع فيها الصورة مع البنية المعمارية. وقد أصبح برنامجها «السينما والعمارة» في Art Foundation Anagi من أكثر الفعاليات الثقافية تداولاً في المدينة، حيث استقطبت العروض المجانية جمهوراً كثيفاً لدرجة صعوبة الدخول في بعض الأحيان.
كورتشفيللي، وهي فنانة وقيّمة ومصممة سينوغرافيا معروفة تعمل بين ألمانيا وجورجيا، أمضت أكثر من عقدين في تطوير مشاريع تتجاوز الحدود التقليدية بين العمارة والفن والسينما في مدن مثل تبليسي، فرانكفورت، برلين، فيينا وزيورخ.

العمارة والسينما… تقاطع طبيعي
توضح كورتشفيللي أن هذا النهج متعدد التخصصات نشأ من تجربتها الأوروبية، منذ انتقالها إلى ألمانيا عام 1994، حيث بدأت تدرك العلاقة العميقة بين تصميم الفضاءات وتنظيم المعارض.
وتشير إلى أن تأثير والدها، وهو مهندس معماري، لعب دوراً محورياً في تشكيل رؤيتها، إذ شارك في تصميم معارض دولية منذ ستينيات القرن الماضي، ما أتاح لها الاطلاع المبكر على العلاقة بين الفضاء المعماري والتجربة البصرية.

برنامج “السينما والعمارة”… من الفضاء إلى الفكرة
انطلقت فكرة البرنامج من تصميم قاعة العرض نفسها في المؤسسة، وهي قاعة صغيرة بطابع مدرّج تتسع لما بين 50 و80 مشاهدًا، ما خلق بيئة حميمة للتفاعل مع الأفلام.
تؤكد كورتشفيللي أن الهدف لم يكن مجرد عرض أفلام، بل خلق تجربة ثقافية متكاملة تسمح للجمهور بفهم العمارة بشكل عاطفي وفكري في آنٍ واحد، ضمن برنامج أسبوعي واضح المعالم.
حين تصبح المدينة “شخصية” في الفيلم
ترى كورتشفيللي أن العلاقة بين السينما والعمارة علاقة عضوية، فكلاهما يعتمد على السرد البصري والتجربة الغامرة.
وتستشهد بفيلم Wings of Desire للمخرج ويم فيندرز، حيث تظهر برلين ككيان حيّ يحمل ذاكرة المدينة وانقسامها التاريخي. في هذا السياق، تتحول المواقع المعمارية إلى عناصر سردية أساسية، بل إلى “شخصيات” قائمة بذاتها.
معايير اختيار الأفلام
اعتمد اختيار الأفلام على مزيج من الحدس والمعرفة، ضمن رؤية تجمع بين الوثائقي والروائي عبر فترات زمنية مختلفة.
وشمل البرنامج أفلاماً عن شخصيات معمارية بارزة مثل ريـم كولهاس، إضافة إلى أعمال كلاسيكية مثل:
- Zabriskie Point
- Death in Venice
وتوضح أن هذه الأفلام لا تزال تعكس قضايا معاصرة مثل الرأسمالية والتحولات الاجتماعية.
كيف تغيّر السينما نظرتنا للمدينة؟
تشير كورتشفيللي إلى أن السينما تمنح المشاهد فرصة “السفر” عبر المكان والزمان، وتساعد على فهم العمارة ليس فقط فكرياً بل شعورياً.
كما تؤكد أن المدن الحديثة فقدت الكثير من إشاراتها البصرية التقليدية، مثل الملصقات، لتحل محلها الوسائط الرقمية، ما يجعل العلاقة بين السينما والفضاء الحضري أكثر تعقيداً، لكنها لا تزال قائمة على “نظام من العلامات” يشكّل تجربة المدينة.
نحو نقاش أوسع حول العمارة
أثارت بعض العروض، مثل فيلم Urbanized، نقاشات واسعة، خصوصاً بين الشباب، حول الحاجة إلى مساحات مفتوحة للتفكير والتجريب في المدن.
وتشير إلى أعمال المعماري أليخاندرو أرافينا كنموذج يمكن الاستفادة منه، خاصة في مجال الإسكان منخفض التكلفة الذي يتيح للسكان المشاركة في تصميم بيئتهم.

مستقبل المبادرة
ترى كورتشفيللي أن مثل هذه البرامج يجب أن تصبح جزءاً من المناهج الأكاديمية في كليات الفنون والعمارة، على غرار ما يحدث في Berlin University of the Arts.
وفي ختام حديثها، تؤكد أن نجاح البرنامج في تبليسي يشكل دافعاً قوياً للاستمرار وتطوير دورات جديدة، خاصة بعد التفاعل الإيجابي من الجمهور.
خلاصة
السينما، في هذا السياق، لم تعد مجرد وسيلة سرد، بل أصبحت أداة لإعادة اكتشاف المدينة. وعندما تتحول العمارة إلى “شخصية”، فإننا لا نشاهد المكان فحسب… بل نعيد قراءته.
إذا بدك، أقدر أحوّل لك هذا النص إلى نسخة أقوى بصيغة “Global Business Feature” أو مقال رأي (Op-Ed) بأسلوب يناسب النشر في الخليج (مثل البيان أو العربية).


