
تتكوّن صحة الإنسان قبل ولادته بوقت طويل، فيما تلعب الأيام الأولى بعد الولادة دورًا حاسمًا في بناء المناعة لعقود قادمة. يوضح الدكتور الروسي في العلوم الكيميائية وأستاذ الكيمياء الحيوية فلاديمير دادالي أن الاستعداد للأمومة يجب أن يبدأ قبل الحمل، وأن لحليب الأم ومادة اللبأ (المولوزيف) دورًا لا يمكن تعويضه.
الاستعداد يبدأ قبل الحمل
يؤكد البروفيسور أن العناية بصحة الطفل لا تبدأ في عيادة الأطفال، بل منذ التخطيط للحمل. يجب أن تكون الأم مجهزة بالفيتامينات والمعادن، وإلا سيأخذ الجنين هذه العناصر من جسدها، ما قد يؤدي إلى مشاكل مثل فقدان الأسنان نتيجة نقص الكالسيوم والفوسفور.
نقص العناصر الغذائية في الطعام الحديث
اليوم، من الصعب الحصول على الاحتياج الكامل من العناصر الدقيقة عبر الغذاء فقط. فالقيم الغذائية تعتمد على التربة، وإذا كانت التربة فقيرة بالمعادن مثل السيلينيوم أو الزنك، فإن الغذاء سيكون فقيرًا بها أيضًا، مهما بدا طازجًا.
التركيبة الفريدة لحليب الأم
يحتوي حليب الأم على مكونات لا توجد في أي بديل صناعي، منها فيتامين يُعرف باسم B14، الذي يلعب دورًا أساسيًا في نمو الدماغ والجهاز العصبي، ويساعد على تكوين الطاقة داخل الخلايا (الميتوكوندريا). كما يعمل كعامل حماية قوي للخلايا، ويفوق في تأثيره فيتامين C بمئات المرات. هذا المكون غير موجود في حليب الأبقار أو الماعز، ما يجعل الحليب الصناعي نسخة ناقصة دائمًا.
اللبأ: خط الدفاع الأول
في الأيام الأولى بعد الولادة، يُفرز اللبأ، وهو غني بما يُعرف بعوامل النقل (Transfer Factors)، وهي سلاسل من الأحماض الأمينية تحمل “تعليمات” للمناعة حول كيفية التعرف على الفيروسات والبكتيريا ومقاومتها. هذه العملية تشبه نقل “ذاكرة مناعية” من الأم إلى الطفل، وتؤسس لجهاز مناعي قوي مدى الحياة.
الخطأ الطبي القديم
يشير دادالي إلى أن بعض الممارسات الطبية القديمة كانت تمنع الرضاعة في أول يومين، باعتبار اللبأ غير كافٍ، وهو ما يعتبره خطأً جسيمًا أثّر سلبًا على صحة أجيال كاملة.
التغذية التكميلية وتشكيل الذوق
عند إدخال الطعام التكميلي، تقع بعض الأمهات في خطأ إضافة السكر لتحسين الطعم، ما يبرمج مستقبلات التذوق لدى الطفل على طلب النكهات القوية فقط، ويؤدي لاحقًا إلى عادات غذائية غير صحية.
خطر الفوسفات على العظام
الأطعمة المصنعة تحتوي غالبًا على نسب عالية من الفوسفات، والتي تؤثر سلبًا على امتصاص الكالسيوم، مما يضعف كثافة العظام. هذه المشكلة خطيرة خصوصًا لدى الفتيات، إذ إن عدم بناء مخزون قوي من العظام في سن مبكرة قد يؤدي إلى مشاكل خطيرة لاحقًا.
الخلاصة
الطبيعة وفّرت كل ما يحتاجه الطفل:
- حليب الأم كغذاء متكامل
- اللبأ كحماية مناعية أولى
- والتغذية الطبيعية كأساس لصحة طويلة الأمد
✦ الدرس الأهم: ما يُزرع في السنوات الأولى من حياة الطفل—بل حتى قبل ولادته—يحدد صحته لبقية حياته.

