تشهد الخريطة الجيوسياسية في أوراسيا تحولات متسارعة تعيد رسم موازين النفوذ الإقليمي، حيث لم تعد القوى الكبرى وحدها محور الاهتمام، بل برزت دول كانت تُعتبر سابقاً على هامش المشهد الدولي لتصبح عناصر أساسية في معادلة التجارة والطاقة والربط القاري. ومن أبرز هذه الدول كازاخستان وجورجيا.
ورغم الاختلاف الكبير بين البلدين، إذ تُعد كازاخستان أكبر اقتصاد في آسيا الوسطى وتمتلك احتياطيات ضخمة من النفط واليورانيوم والمعادن الاستراتيجية، بينما تقع جورجيا على البحر الأسود في منطقة جنوب القوقاز، فإن الجغرافيا والمصالح الاقتصادية المتشابكة جعلت منهما شريكين رئيسيين في ممرات التجارة الجديدة بين آسيا وأوروبا.
وساهمت الحرب الروسية الأوكرانية في تسريع هذا التحول، بعدما دفعت العقوبات الغربية والمخاطر السياسية المرتبطة بروسيا العديد من الحكومات والشركات إلى البحث عن طرق بديلة لنقل البضائع والطاقة بعيداً عن البنية التحتية الروسية التقليدية.
وفي هذا السياق، برز ما يُعرف بـ Middle Corridor أو “الممر الأوسط”، الذي يربط الصين وآسيا الوسطى بأوروبا عبر بحر قزوين ومنطقة جنوب القوقاز وتركيا.
وتلعب كازاخستان دوراً محورياً في هذا الممر بفضل موقعها الاستراتيجي وقدراتها الاقتصادية، حيث تمثل نحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي لآسيا الوسطى، كما استثمرت خلال السنوات الأخيرة بشكل كبير في تحديث السكك الحديدية وتطوير الموانئ على بحر قزوين والبنية اللوجستية بهدف تنويع طرق التصدير وتقليل الاعتماد على المسارات الروسية.
إلا أن نجاح هذه الاستراتيجية يعتمد بشكل كبير على جورجيا، التي تشكل البوابة الرئيسية نحو البحر الأسود والأسواق الأوروبية بعد عبور البضائع من كازاخستان إلى أذربيجان عبر بحر قزوين. ولذلك أصبحت الموانئ والسكك الحديدية والطرق والبنية الرقمية الجورجية جزءاً أساسياً من منظومة التجارة الأوراسية الجديدة.
كما ساهمت مشاريع استراتيجية مثل Baku–Tbilisi–Kars railway، وخط أنابيب Baku–Tbilisi–Ceyhan pipeline، وSouthern Gas Corridor في تعزيز مكانة البلدين ضمن محور اقتصادي جديد يمتد من آسيا الوسطى إلى أوروبا.
وتنظر أوروبا إلى هذا المحور باعتباره أداة مهمة لتعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على روسيا، خاصة مع الحاجة المتزايدة إلى المعادن النادرة والطاقة اللازمة للتحول نحو الاقتصاد الأخضر، وهي مجالات تمتلك فيها كازاخستان إمكانات كبيرة.
وفي الوقت نفسه، ترى الصين في هذا المسار أهمية متزايدة ضمن مبادرة Belt and Road Initiative، خصوصاً بعد تراجع موثوقية بعض طرق النقل التقليدية عبر روسيا منذ عام 2022.
ويرى مراقبون أن العلاقة المتنامية بين كازاخستان وجورجيا تعكس تحولاً أعمق في النظام الدولي، حيث أصبحت الموانئ والممرات اللوجستية وشبكات النقل والطاقة عناصر مؤثرة في صناعة النفوذ الجيوسياسي، إلى جانب العوامل العسكرية والسياسية التقليدية.
ويعتمد البلدان على استراتيجية مشتركة تقوم على تعزيز الربط الإقليمي والانخراط في شبكات التجارة العالمية لتجنب العزلة وزيادة أهميتهما الاقتصادية. فبينما تحتاج كازاخستان إلى منفذ مستقر نحو البحر الأسود والأسواق الأوروبية، تحتاج جورجيا إلى زيادة حركة العبور والاستثمارات وتعزيز دورها كمركز لوجستي بين آسيا وأوروبا.
وفي ظل هذا الواقع الجديد، لم تعد أهمية الدول تُقاس فقط بحجم جيوشها أو قوتها الاقتصادية المباشرة، بل أيضاً بقدرتها على ربط المناطق المختلفة ببعضها البعض. ومن هذا المنطلق، أصبحت كازاخستان وجورجيا من أبرز اللاعبين في رسم مستقبل أوراسيا الاقتصادي، حتى وإن لم تكونا من القوى العسكرية الكبرى.
ويخلص الكاتب إلى أن مستقبل أوراسيا لن يُصاغ فقط في موسكو أو بكين أو واشنطن أو بروكسل، بل سيتأثر بشكل متزايد بالقرارات والتطورات التي تشهدها كل من Astana وTbilisi، باعتبارهما مركزين متناميين في شبكة الربط القاري الجديدة.

