بينما تركز المنافسة العالمية في قطاع السيارات الكهربائية على زيادة مدى القيادة وتسريع عمليات الشحن، تتجه الأنظار اليوم نحو عنصر آخر قد يكون أكثر تأثيراً في مستقبل الصناعة: المحرك الكهربائي نفسه.
وأعلن باحثون صينيون تحقيق تقدم مهم في تطوير المحركات المحورية (Axial Flux Motors)، وهي تقنية يراها العديد من الخبراء واحدة من أكثر الحلول الواعدة للجيل القادم من المركبات الكهربائية.
وجاء هذا الإنجاز نتيجة تعاون بين شركة Pangoo Power وNingbo Institute of Materials Technology and Engineering التابع لـ Chinese Academy of Sciences، حيث نجح المهندسون في معالجة إحدى أكبر العقبات التي واجهت هذه المحركات لعقود، والمتمثلة في الحفاظ على الأداء والكفاءة عند السرعات العالية والأحمال الكبيرة.
مادة مغناطيسية جديدة
وطوّر الفريق البحثي مادة مغناطيسية مبتكرة قادرة على الاحتفاظ بخصائصها في درجات الحرارة المرتفعة وظروف التشغيل القاسية، ما ساهم في رفع كفاءة المحرك وزيادة قدرته مع الحفاظ على إمكانية إنتاجه تجارياً على نطاق واسع.
ووفقاً للبيانات المعلنة، يتميز المحرك الجديد بحجم أصغر يقارب نصف حجم المحركات الكهربائية التقليدية ذات القدرة المماثلة، مع قدرة تشغيل تصل إلى أكثر من 18 ألف دورة في الدقيقة.
لماذا يُنظر إليها كتقنية المستقبل؟
تعتمد معظم السيارات الكهربائية الحالية على المحركات الشعاعية التقليدية، بينما تتميز المحركات المحورية بكثافة طاقة أعلى ووزن أقل وحجم أكثر إحكاماً، ما يسمح بتوفير مساحة داخل المركبة وتقليل الوزن الإجمالي وتحسين الكفاءة والأداء.
ورغم أن فكرة المحرك المحوري تعود إلى تجارب العالم البريطاني Michael Faraday في القرن التاسع عشر، فإن التحديات الهندسية المرتبطة بالعمل عند السرعات العالية منعت انتشارها تجارياً لعقود طويلة.
أما اليوم، فقد سمح تطور المواد المغناطيسية والإلكترونيات الصناعية وتقنيات التصنيع الحديثة بإعادة إحياء هذه الفكرة وتحويلها إلى خيار واقعي للإنتاج التجاري.
أرقام لافتة
أظهرت الاختبارات أن المحرك الجديد يحقق كثافة طاقة تبلغ 25.73 كيلوواط لكل كيلوغرام، مع سرعة تتجاوز 18 ألف دورة في الدقيقة، وهي أرقام تقترب من مستويات كانت تُعد قبل سنوات مجرد مفاهيم نظرية في قطاع السيارات الكهربائية.
من يستخدم هذه التقنية حالياً؟
ورغم أن التقنية لم تصل بعد إلى السيارات الجماهيرية، فإنها بدأت بالظهور في بعض السيارات الفائقة الأداء عبر محركات شركة YASA البريطانية، المستخدمة في سيارات مثل:
- Ferrari SF90 Stradale
- Ferrari 296 GTB
- Lamborghini Revuelto
- Lamborghini Temerario
كما تدرس شركات مثل McLaren وPorsche توسيع استخدام هذه التقنية مستقبلاً.
سباق جديد في صناعة السيارات
ويرى خبراء أن المحركات المحورية اليوم تشبه بطاريات الليثيوم أيون قبل نحو عقدين من الزمن؛ فقد أثبتت جدواها التقنية، لكن التحدي الحقيقي يكمن في خفض تكاليف الإنتاج وتوسيع نطاق التصنيع.
وفي الوقت الذي تطور فيه شركات مثل Xiaomi وBYD وDongfeng Motor جيلاً جديداً من المحركات الكهربائية عالية الأداء، يبدو أن السباق العالمي لم يعد يقتصر على البطاريات، بل انتقل إلى معركة تطوير أكثر المحركات كفاءة وقوة.
تطبيقات تتجاوز السيارات
ولا يقتصر الاهتمام بهذه التقنية على السيارات الكهربائية فقط، إذ يتوقع الباحثون استخدامها مستقبلاً في الروبوتات البشرية والطائرات الكهربائية العمودية (Airtaxis) وغيرها من وسائل النقل المتقدمة.
وبفضل كثافة عزم دوران تبلغ 293 نيوتن متر لكل كيلوغرام، أي أعلى بنحو 22% من بعض الحلول الحالية، يمكن لهذه المحركات أن تساهم في تطوير روبوتات أكثر قوة وأقل حجماً، إضافة إلى طائرات كهربائية أخف وزناً وأكثر كفاءة.
ومع استمرار التطور السريع لهذه التقنية، يرى مراقبون أن السؤال لم يعد ما إذا كانت المحركات المحورية ستدخل الإنتاج الواسع، بل أي شركة ستكون أول من ينجح في جعلها متاحة للجمهور بأسعار تنافسية، وهو ما قد يمثل الخطوة الكبرى التالية في تطور صناعة السيارات الكهربائية.

