كوكب لم نكتشفه بعد.. لماذا تتزايد اكتشافات الأنواع الجديدة من الكائنات الحية؟
8 أكتوبر 2026
بقلم: أنطون بوبوف
نشر فريق دولي من علماء الحشرات هذا الصيف دراسة لافتة تشير إلى أن عدد أنواع الحشرات غير المعروفة للعلم على كوكب الأرض قد يتجاوز 20 مليون نوع، بينما لا يعرف الإنسان حاليًا سوى ما يزيد قليلًا على مليون نوع. وكانت أكثر التقديرات السابقة تفاؤلًا تضع الحد الأعلى للتنوع المحتمل للحشرات عند خمسة ملايين نوع.
وتتيح نتائج هذه الدراسة النظر من زاوية جديدة إلى تنوع الكائنات الحية، وتطرح سؤالًا حول عدد الكائنات التي تشاركنا الكوكب وما زلنا لا نعرفها.
عالم بلا نهاية
يُعرَّف النوع في علم الأحياء بأنه مجموعة من الأفراد تتشابه في بنيتها ووظائفها الحيوية وتركيبها الجيني، ويمكنها التزاوج فيما بينها وإنتاج نسل قادر على التكاثر، وتعيش ضمن منطقة جغرافية محددة تُسمّى نطاق الانتشار.
استخدم الباحث الإنجليزي جون راي مصطلح «النوع» منذ القرن السابع عشر، لكن عالم الطبيعة السويدي الشهير كارل لينيوس هو الذي رسّخ استخدامه العلمي في القرن التالي، وصنّف أكثر من عشرة آلاف نوع من النباتات والحيوانات.
وبعد ثلاثة قرون، أصبحنا نعرف نحو 2.5 مليون نوع من الكائنات الحية متعددة الخلايا وحدها، ومع ذلك يواصل العلماء اكتشاف حيوانات ونباتات لم يسبق وصفها علميًا.
ووفقًا لبيانات نشرها فريق بقيادة جون وينز، الأستاذ في قسم علم البيئة والأحياء التطورية بجامعة أريزونا، جرى اكتشاف ما لا يقل عن 16 ألف نوع جديد سنويًا خلال الفترة من 2015 إلى 2020. وشملت هذه الاكتشافات أكثر من عشرة آلاف نوع من الحيوانات، معظمها من مفصليات الأرجل، ولا سيما الحشرات، ونحو 2,500 نوع من النباتات، وحوالي ألفي نوع من الفطريات.

وعند مقارنة وتيرة اكتشاف الأنواع الجديدة في العقود الأخيرة بمعدلات نهاية القرن العشرين، يتبيّن أن عدد الأنواع التي يصفها العلماء سنويًا ارتفع في المتوسط بنسبة 30%.
ويعود ذلك إلى عوامل عدة. أولها توسّع علماء الأحياء في استخدام التحليل الجيني، بعدما كان التمييز بين الأنواع يعتمد أساسًا على الصفات الخارجية. وتبرز أهمية هذا التطور خصوصًا عند دراسة الحشرات والفطريات والبكتيريا.
أما العامل الثاني فهو تطور التقنيات، الذي أتاح الوصول إلى مناطق كانت بعيدة عن متناول الباحثين، وفي مقدمتها أعماق المحيطات، التي أصبح استكشافها ممكنًا بفضل تحسين المركبات والمعدات المخصصة للغوص العميق.
ولا يكفي العثور على حيوان أو نبات لم يُلاحظ سابقًا لإعلان اكتشاف نوع جديد؛ إذ يتطلب الاعتراف العلمي إعداد وصف تفصيلي لخصائصه الشكلية والجينية، وتحديد عينة مرجعية، ونشر دراسة علمية.
ولهذا قد تستغرق الرحلة من العثور على الكائن إلى الاعتراف الرسمي به سنوات. فعلى سبيل المثال، أُمسك بخفاش Myotis himalaicus، الذي يعيش في غرب الهيمالايا، عام 2016، لكن الاعتراف به رسميًا بوصفه نوعًا جديدًا لم يحدث إلا بعد عشر سنوات.
وأحيانًا يأتي الاكتشاف بمحض المصادفة تقريبًا. فقد عثر طلاب أمريكيون في المرحلة الثانوية على نوعين جديدين من العقارب التي تعيش في الأراضي الملحية بكاليفورنيا أثناء تصفح صور على الإنترنت. كما اكتُشفت أزهار قطرة الثلج Galanthus bursanus في شمال غرب تركيا بعدما لاحظها علماء أحياء في صور منشورة على مواقع التواصل الاجتماعي.
اعثر عليّ إن استطعت
أين يبحث العلماء عن الأنواع الجديدة من النباتات والحيوانات؟
لا تتوزع هذه الاكتشافات بالتساوي على سطح الأرض. ففي مناطق مثل أوروبا وأمريكا الشمالية، يُعدّ العثور على نوع مجهول حدثًا نادرًا، ولذلك تتعلق الاكتشافات غالبًا برصد أنواع معروفة علميًا في مناطق لم تُسجّل فيها سابقًا.
أما في المناطق المدارية والاستوائية، فالوضع مختلف؛ إذ تُسجَّل أعداد كبيرة من الاكتشافات في دول مثل البرازيل والإكوادور وإندونيسيا وأستراليا.
وبحسب المقال، توجد نحو 70% من أشكال الحياة في المحيطات. وحتى عام 2025، جرى وصف نحو 250 ألف نوع من هذه الكائنات، بينما قد يتجاوز عدد الأنواع التي ما زالت تنتظر اكتشافها مليونَي نوع.
ويعثر الباحثون سنويًا، في المتوسط، على أكثر من ألفي نوع جديد في المحيطات. وخلال العام الماضي، جرى وصف 1,121 نوعًا بحريًا جديدًا ضمن مشروع Nekton Ocean Census وحده، الذي يعمل تحت رعاية مؤسسة «نيبون».
وشملت الاكتشافات قرشًا شبحًا يعيش في الأعماق، ودودة هلبية تعيش في علاقة تكافلية مع كائن آخر، وأعدادًا كبيرة من الشعاب المرجانية والسرطانات وقنافذ البحر وشقائق النعمان البحرية التي لم تكن معروفة من قبل.
ومن أنجح الرحلات الاستكشافية تلك التي شملت أخدود نانكاي، حيث تستمد الكائنات طاقتها من التفاعلات الكيميائية بدلًا من ضوء الشمس، وسلسلة سيتْيِه الجبلية تحت الماء، التي تتميز بحدائقها المرجانية الفريدة. وأسفرت الرحلة عن رصد 38 نوعًا جديدًا، إضافة إلى 28 نوعًا يُحتمل أن تكون جديدة.
وأصبحت الحفرة البحرية المعروفة باسم «حفرة التنين» في بحر الصين الجنوبي نقطة جذب للباحثين. ويبلغ عمقها 301 متر، وينعدم الأكسجين فيها ابتداءً من عمق يقارب مئة متر، لكن الحياة تستمر؛ إذ تمكّنت أحدث بعثة من العثور على 1,730 فيروسًا لم تكن معروفة علميًا.
ومن المناطق التي تتوالى منها أخبار الاكتشافات أيضًا منطقة كلاريون–كليبرتون في المحيط الهادئ، التي تمتد على مساحة ستة ملايين كيلومتر مربع. وقد عُثر فيها خلال العام الماضي وحده على 24 نوعًا جديدًا من الكائنات الحية.
كما أصبحت مياه القارة القطبية الجنوبية كنزًا للعلماء، بعدما اكتُشف فيها خلال العام الماضي 30 نوعًا جديدًا من كائنات الأعماق.
ومن أبرزها إسفنج كروي مفترس آكل للحوم، وديدان بلا فم أو أمعاء تتغذى بمساعدة بكتيريا تكافلية تحلّل الدهون الموجودة في عظام الحيتان وغيرها من الفقاريات الكبيرة، إضافة إلى أنواع من المرجان الأسود.
أسرار الغابات البيلاروسية
رغم أن النباتات والحيوانات في بيلاروسيا، الواقعة في قلب أوروبا، خضعت لدراسات واسعة، فإن الباحثين يواصلون العثور فيها على كائنات لم تكن معروفة للعلم، وأخرى لم يسبق تسجيل وجودها في البلاد.
وأوضح مختبر اللافقاريات البرية في المركز العلمي والعملي للموارد الحيوية التابع للأكاديمية الوطنية للعلوم في بيلاروسيا أن هذه الاكتشافات تحدث عادة بين مجموعات تضم أنواعًا بالغة الصغر تعيش حياة خفية.
وقد أتاحت دراسة إحدى عائلات الخنافس التي تنطبق عليها هذه الصفات لعالم الحشرات البيلاروسي سيرغي سالوك اكتشاف نوعين جديدين للعلم قبل 11 عامًا.
وفي عام 2015، وصف الباحث نوعين من الخنافس التابعة لفصيلة الخنافس الخفية، عُثر عليهما في محمية بيريزينسكي. وسُمّي أحدهما تكريمًا لعالم الحشرات البيلاروسي ألكسندر لوكاشوك، فيما حمل الآخر اسم روغنيدا، أميرة بولوتسك.
ويعثر علماء الحشرات البيلاروسيون كل عام على عدة أنواع لم يسبق تسجيلها في البلاد. ويُعدّ تغيّر التنوع الحيواني في منطقة ما عملية طبيعية إلى حد كبير، لكنه يتأثر اليوم أيضًا بارتفاع درجات الحرارة وكثافة انتقال الأشخاص والبضائع بين القارات.
وتشهد بيلاروسيا وصول حشرات جنوبية محبة للدفء، مثل فراشة ساراغوسا المحبة للجفاف، وذبابة الدياديما المفترسة، وخنفساء سيبينا أحادية اللون، وهي خنفساء صغيرة من فصيلة السوس تعيش في السهوب، وقد رُصدت هذا العام.
غير أن بعض الأنواع الوافدة تشكّل تهديدًا للطبيعة المحلية. فقد استقرت الفراشة البيضاء الأمريكية في جنوب بيلاروسيا، حيث تلحق أضرارًا بالأشجار والشجيرات، بما فيها المثمرة. كما تنافس دعسوقة الهارليكين الآسيوية الأنواع المحلية، بينما يهدد نوع من العثّ موطنه أمريكا الشمالية، اكتُشف هذا العام، أشجار الثوجا.
ولا تقتصر الاكتشافات على الحشرات؛ إذ رصد موظفو مركز الموارد الحيوية نوعين من الثدييات لم يُسجّل وجودهما في بيلاروسيا منذ فترة طويلة، هما السنجاب الطائر والراكون.
وخلال القرن العشرين، اختفى السنجاب الطائر تدريجيًا من البلاد بسبب النشاط الاقتصادي المكثف، ولم يُرصد مجددًا إلا في النصف الثاني من العقد الماضي، في منطقة غورودوك.
ويرى الخبراء أن منطقة تشيتشيرسك، المحاذية لنطاق انتشار السنجاب الطائر في روسيا، تُعدّ أيضًا من المواقع المناسبة لاستعادة أعداده. ويجري حاليًا العمل على دراسة بيولوجيا هذا النوع وبيئته.
أما الراكون، الذي تعود أصوله إلى أمريكا الشمالية، فقد عاش سابقًا في بيلاروسيا بعدما أُدخل إليها من أذربيجان في خمسينيات القرن الماضي بهدف تنويع الحيوانات المتاحة للصيد.
وأُطلقت هذه الحيوانات في المناطق التي تضم اليوم محمية «بريبيات الوسطى» ومتنزه «بريبياتسكي» الوطني. وفي السبعينيات، سُمح بصيدها، لكنها اختفت بعد ذلك بصورة غامضة، ويرجّح العلماء أنها لم تتحمل الشتاء القارس.
وفي عام 2024، عُثر على راكون نافق على أحد الطرق في منطقة إيفييه، ثم تمكّنت بعثة علمية من العثور على مجموعة كاملة من هذه الحيوانات.
وأظهر التحليل الجيني أن أقرب أقارب الراكون الذي عُثر عليه يعيشون في اليابان، حيث يُعدّ الراكون أيضًا نوعًا غير أصيل. ومع ذلك، يرجّح باحثو الأكاديمية الوطنية للعلوم أن الحيوانات وصلت إلى بيلاروسيا من بولندا، خصوصًا أن أحد الصيادين اصطاد راكونًا في منطقة سفيسلوتش خلال العقد الأول من الألفية، كما رُصدت هذه الحيوانات مؤخرًا في منطقة بريست.
وقد يتساءل البعض: لماذا نحتاج إلى معرفة كل قشري صغير يزحف في قاع البحر، أو كل بعوضة تعيش قرب خط الاستواء؟
أولًا، لأن الأرض بيتنا، وكلما ازدادت معرفة البشر بسكانها، تحسّنت قدرتهم على حمايتهم؛ فلا يمكن إنقاذ كائن لا نعرف أصلًا أنه موجود.
وثانيًا، لأن كثيرًا من الحلول الهندسية والتطبيقات الطبية استُلهمت من الحيوانات. فقد ساعدت دراسة أقدام الوزغ في تطوير مواد شديدة الالتصاق تتيح الحركة على الأسطح العمودية، وأسهمت دراسة هرمونات سحلية وحش جيلا في تطوير أدوية لإنقاص الوزن.
وربما يكون مفتاح القفزات التقنية المقبلة مختبئًا في أعماق المحيطات أو الغابات المدارية الحارة.
بحث يمتد عبر ملايين السنين
يعرف العلم نحو 1,900 نوع من الديناصورات غير الطيرية، تنتمي إلى أكثر من 500 جنس. ويُكتشف حاليًا ما يقارب 40 إلى 50 نوعًا منها سنويًا.
وتُوصف الفترة التي بدأت مطلع الألفية بأنها العصر الذهبي لعلم الأحافير، إذ صُنّف خلال العقدين الماضيين عدد من الديناصورات يفوق ما صُنّف طوال التاريخ السابق لهذا العلم.
وتكمن الصعوبة الرئيسية في تصنيف الزواحف القديمة في أن سجل الأحافير غير مكتمل؛ فبعد ملايين السنين من التحجّر، لا يتوفر للعلماء غالبًا سوى أجزاء من العظام والأسنان وآثار الأقدام، ونادرًا ما يعثرون على هياكل عظمية شبه مكتملة.
أبرز الحيوانات غير المألوفة المكتشفة في عام 2025
أبوسوم تشاتشابويا الفأري
الاسم العلمي: Marmosa chachapoya.
مكان الاكتشاف: محيط معبد لشعب تشاتشابويا القديم في جبال الأنديز بالبيرو.
ما يميّزه: العثور عليه على ارتفاع 2,664 مترًا، وهو ارتفاع قياسي بالنسبة إلى هذه الكائنات.
نحلة لوسيفر
الاسم العلمي: Megachile lucifer.
مكان الاكتشاف: أستراليا.
ما يميّزها: وجود نتوءات تشبه القرون على رؤوس الإناث، يُعتقد أنها تُستخدم لإزالة العوائق وجمع الرحيق والدفاع وبناء الأعشاش.
ضفدع اليقطين «لولا»
الاسم العلمي: Brachycephalus lulai.
مكان الاكتشاف: الغابات الجبلية في جنوب البرازيل.
ما يميّزه: سُمّي نسبة إلى الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا لجذب الانتباه إلى الاكتشاف. ويتسم بلون برتقالي زاهٍ يحذّر من سُمّيته، وهو صغير للغاية إلى درجة أن الباحثين لم يعثروا عليه إلا بفضل أصوات التزاوج التي يصدرها.
أخطبوط الفطيرة
الاسم العلمي: Opisthoteuthis carnarvonensis.
مكان الاكتشاف: متنزه كارنارفون كانيون البحري في أستراليا.
ما يميّزه: يستطيع هذا الأخطبوط القزم بسط جسمه الخالي من الهيكل العظمي على قاع البحر، ما يساعده على التخفي من المفترسات. وتتيح له هذه الخاصية أيضًا العيش على عمق يقارب كيلومترًا.
ملاحظة الناشر: يُحظر إعادة نشر النص والصور بالكامل، ويُسمح بالاقتباس الجزئي مع إدراج رابط للمصدر.

