من الروك والإيمو إلى حرية اختيار الهوية.. كيف تغيّرت الثقافات الشبابية البديلة في كازاخستان؟
قبل عشرين عاماً، كان الشعر الطويل والسترات الجلدية والسلاسل المعدنية والقمصان التي تحمل أسماء الفرق الموسيقية كافية للتعرّف إلى انتماءات كثير من الشباب في كازاخستان. وخلف المظهر المختلف، كانت هناك صداقات وأماكن لقاء وموسيقى مشتركة، وشعور بالانتماء إلى عالم خاص.

أما اليوم، فيمكن لشاب أن يذهب إلى الجامعة بإطلالة قوطية، ويستمع مساءً إلى موسيقى البوب، ثم يغيّر أسلوبه في اليوم التالي، من دون أن يشعر بضرورة الالتزام بهوية ثقافية واحدة.
هذا التحول تناوله تقرير نشره موقع «تينغري نيوز»، أعدّته أيسانا ميرزاباييفا، واستعرض من خلال شهادات جيلين ورأي متخصص في الدراسات الثقافية، كيف انتقلت الثقافات الشبابية البديلة من جماعات واضحة المعالم إلى أشكال أكثر تنوعاً ومرونة في التعبير عن الذات.
أكثر من ملابس وتسريحات شعر
ارتبط وصف الشباب «غير التقليديين» في كازاخستان وبلدان الفضاء السوفييتي السابق بأتباع ثقافات مثل البانك والقوطية والإيمو والميتال والروك والهيبيز. ولكل منها موسيقاها وأزياؤها ومفرداتها وأماكن تجمعها.
لكن الانتماء إلى هذه الجماعات لم يكن مجرد اختيار شكلي؛ فقد مثّل لكثير من المراهقين وسيلة للعثور على أشخاص يتشاركون معهم الاهتمامات والأفكار، ومساحة يشعرون فيها بالتقبّل بعيداً عن توقعات المجتمع.
ويتذكر أرتيوم توكاريف، البالغ 34 عاماً، بداياته في قرية بورلي بمحافظة كوستاناي، قبل انتقاله إلى أستانا في الثامنة عشرة. بدأ اهتمامه بفرق مثل «غرين داي» و«نيكلباك» و«لومين»، ثم أقنع والديه بشراء سترة جلدية كانت أكبر من مقاسه بكثير.
ويقول إن رغبته آنذاك كانت أن يتميز ويعيش شيئاً من التمرد، في محيط لم يكن يضم كثيراً من محبي الروك الثقيل. ومع مرور الوقت، أصبحت سترته تحمل آثار تلك المرحلة، بما فيها ثقوب كان يخيطها بعد مشاجرات مع شبان في الشارع.
أما نيكيتا إينيكس، البالغ 32 عاماً، فتعرّف إلى الروك منذ طفولته عبر عمّه، وتأثر بفرق مثل «إيه سي/دي سي» و«ديب بيربل». وكان ظهور فرقة «رامشتاين» في افتتاح فيلم «إكس إكس إكس» عام 2002 محطة مؤثرة في اكتشافه هذا العالم.

تنقّل نيكيتا بين إطلالات الروك والميتال والبانك، وجرّب تسريحة «الموهوك» وصبغ شعره بالأخضر. وبالنسبة إليه، كان الأمر تعبيراً عن شخصيته، وسط تقبّل من والديه لتجاربه في المظهر.
الموسيقى طريقاً إلى الصداقة
دخلت غاليا بوجيتوفا، البالغة 34 عاماً والمنحدرة من مدينة شتشوتشينسك، إلى هذا العالم من بوابة الأزياء. ففي الخامسة عشرة، جذبتها إطلالات شاهدتها على التلفزيون وفي مجلة، فصبغت خصلات من شعرها بالأحمر، قبل أن تقدم لها صديقة قرصاً يضم موسيقى ثقيلة.
لاحقاً، تبنّت عناصر من أسلوب الإيمو، من الغرّة المائلة والملابس المخططة إلى الألوان الوردية والسوداء. وكانت تبحث عن الملابس في الأسواق وتتبادل الأقراص الموسيقية مع الأصدقاء.
وتوضح تجربتها أن الموسيقى كانت وسيلة أساسية لبناء العلاقات؛ فقد جمعتها بأشخاص من أوساط الإيمو والميتال، ثم أصبحت اهتماماً مشتركاً مع شقيقها الأصغر، الذي كان يعزف الغيتار بينما يغنيان في المنزل.
وفي ألماتي، تعرّف سيرغي تيفيل إلى الميتال عبر أحد أقاربه الأكبر سناً، واستمع على أشرطة الكاسيت إلى فرق مثل «ميتاليكا» و«كينغ دايموند».
ويتذكر تبادل الأشرطة والأقراص والمجلات والمنشورات المصنوعة يدوياً، والبحث عن التسجيلات في الأكشاك الموسيقية. وكان سماع اسم فرقة جديدة من شخص أكبر سناً بداية رحلة للعثور على أعمالها.
وشكّل شارع أربات في ألماتي إحدى نقاط اللقاء الرئيسية، إلى جانب الحفلات والنوادي. وكان المظهر المتشابه يسمح للشباب بالتعارف مباشرة والشعور بأنهم ينتمون إلى الوسط نفسه.
اختلاف يثير الفضول وأحياناً المواجهة
لم يكن الظهور بصورة مختلفة يمر دائماً بسهولة. يروي سيرغي أن إطالة شعره حتى الخصر في سن السادسة عشرة عرّضته لمضايقات من طلاب أكبر سناً، وصلت أحياناً إلى مشاجرات.
أما غاليا، فواجهت نظرات فضول وأسئلة تربط مظهرها بصور نمطية عن ثقافة الإيمو. وكان قلق أسرتها مرتبطاً بما يُشاع عن هذه الثقافة أكثر من ارتباطه بالملابس نفسها، فيما كانت تؤكد أن الموسيقى تساعدها على التعبير عن مشاعرها والتعامل معها.
ويتذكر أرتيوم تعليقات بعض الركاب على شعره الطويل خلال رحلات القطار، لكنه يقول إنه تعلّم سريعاً التعامل معها بالسخرية وعدم السماح لها بتحديد خياراته.
لماذا تغيّرت الجماعات القديمة؟
يرى الباحث في الدراسات الثقافية سمير سيركيبايف أن فهم التحول يبدأ بالتمييز بين وصف الشخص «غير التقليدي» ومفهوم «الثقافة الفرعية».
ويوضح أن المصطلح الأول ارتبط تاريخياً بالسياق السوفييتي، حين كان يُستخدم للإشارة إلى ما يخرج عن الثقافة الرسمية والأطر التي تسمح بها الرقابة، قبل أن يتحول لاحقاً إلى وصف دارج لمن يختلف عن الأغلبية.
وفي تفسيره لتماسك الجماعات القديمة، يركز سيركيبايف على عاملين: صعوبة الحصول على الموسيقى والملابس والإكسسوارات، والضغوط الاجتماعية أو القيود التي قد تواجه المنتمين إليها.
فالبحث عن تسجيل نادر وتبادله عبر المعارف لم يكن مجرد وسيلة للاستماع؛ بل كان تجربة مشتركة تعزز العلاقات. واليوم، يستطيع الفرد الوصول إلى الموسيقى عبر «سبوتيفاي» أو «يوتيوب»، وشراء الملابس والإكسسوارات عبر الإنترنت، من دون الحاجة إلى جماعة توفرها له.
وبحسب رؤيته، أسهم زوال هذه الندرة في إضعاف الروابط القديمة، بينما حوّلت الصناعة كثيراً من رموز التمرد إلى أزياء متاحة على نطاق واسع.
لكنه لا يرى أن الثقافات الفرعية اختفت تماماً. ويطرح سائقي توصيل الطلبات بالدراجات الصغيرة مثالاً معاصراً لجماعة تجمعها تحديات مشتركة، ونقاط لقاء، وشبكات تواصل داخلية، ومعاناة من نقص البنية التحتية والرقابة المتكررة.
جيل جديد يرفض التصنيفات الصارمة
تبدو الصورة مختلفة لدى المشاركين الأصغر سناً في التقرير. فكريستينا، البالغة 20 عاماً من أستانا، كانت تصنف نفسها ضمن الثقافة القوطية، لكنها تفضّل اليوم عدم حصر هويتها في إطار واحد، لأن ذلك يمنحها مساحة أوسع للتعبير.
بدأ اهتمامها بالروك والميتال في الطفولة بتأثير من والدتها، ثم تطور في المراهقة، مع إعجابها بفرق موسيقية وأعمال المخرج تيم برتون.

أما ديار، البالغ 20 عاماً من أستانا أيضاً، فيميل إلى أسلوب الإيمو، بعدما مزجه سابقاً بعناصر من الغرانج والميتال. وقد تعرّف إلى هذه الاهتمامات عبر الإنترنت، من المقاطع الموسيقية على «يوتيوب» إلى الرسومات والإطلالات على «بينترست».
وتقول ريناتا موراتوفا، البالغة 21 عاماً، إن الثقافة القوطية فتحت أمامها باب التجريب الموسيقي والتغيير في المظهر. وتأثرت، إلى جانب الموسيقى، بأفلام مثل «نوسفيراتو» و«دراكولا» و«خزانة الدكتور كاليغاري».
ويتفق الثلاثة على أن الملابس ليست شرطاً للانتماء. فالأفكار والذوق الموسيقي والقناعات قد تجمع أشخاصاً لا يلفتون النظر بمظهرهم.
كما يرفضون الحاجة إلى إثبات انتمائهم أمام الآخرين، أو إخضاعهم لاختبارات تميّز بين «الأصيل» و«المقلّد». ويرى ديار أنه لا ينبغي للشخص أن يبرر عضويته في أي مجتمع ثقافي.
من تبادل الأشرطة إلى توصيات المنصات
تغيّرت طرق اكتشاف الموسيقى أيضاً. فبدلاً من الأكشاك والأشرطة المتداولة بين الأصدقاء، يعتمد الشباب اليوم على قوائم التشغيل وتوصيات «سبوتيفاي» و«يانديكس ميوزيك» و«يوتيوب»، إلى جانب اقتراحات معارفهم.
وبات الحصول على الملابس البديلة أسهل، بعدما كان يتطلب خياطة القطع أو تعديلها وصناعة الإكسسوارات يدوياً. ومع ذلك، لا يزال بعضهم يفضّل الملابس القديمة لما تحمله من طابع خاص.
أما اللقاءات المباشرة، فلم تفقد دورها. فالحفلات الموسيقية الصغيرة ما زالت مكاناً للتعارف، بينما وسّعت مجموعات الدردشة والإنترنت دوائر التواصل.
وتصف كريستينا المشهد بأنه مجموعة من المجتمعات الصغيرة التي تلتقي في اهتمامات معينة، بدلاً من جماعة واحدة كبيرة ذات حدود واضحة.
ويحتفظ أبناء الجيل السابق بدورهم بشيء من تلك المرحلة. فغاليا ما زالت تربط تجربتها بالصدق والتعبير عن الذات، وسيرغي يرى أن الاختلاف يعني السماح للناس بأن يكونوا متنوعين، بينما يرفض أرتيوم سخرية بعض أبناء جيله من الشباب الحاليين، مذكّراً بأن الأكبر سناً وجّهوا إليهم الانتقادات نفسها.
وبين الجيلين، يبقى البحث عن الموسيقى والأصدقاء وحرية التعبير حاضراً؛ لكن الانتماء اليوم أصبح أقل ارتباطاً بزي محدد، وأكثر اتساعاً لتجربة أساليب متعددة من دون الالتزام بتصنيف واحد.

