عاد الاهتمام بما يُعرف بـ«القارة المفقودة» الغامضة بقوة، بعدما انتشرت مزاعم تفيد بأن العلماء تمكنوا أخيراً من تحديد موقعها بدقة. ووفقاً لأنصار نظريات المؤامرة، ازدهرت على هذه القارة في الماضي حضارة متطورة للغاية.
وطُرحت فرضية وجود هذه القارة، المعروفة باسم «ليموريا»، في القرن التاسع عشر بهدف تفسير العثور على حفريات متشابهة لحيوانات الليمور في كل من الهند ومدغشقر، رغم أن المحيط الهندي يفصل بينهما.
واليوم، يزعم أنصار نظريات المؤامرة أن ليموريا، وربما أيضاً أطلال حضارة قديمة سبقت ظهور الإنسان، مخفية في قاع المحيط. وفي الوقت نفسه، يعمل العلماء بالفعل على تحديد حدود كتلة أرضية حقيقية غارقة في هذه المنطقة، لكنهم يؤكدون عدم وجود أي دليل يربطها بليموريا أو بكائنات بشرية خارقة أسطورية.
من لغز علمي إلى نظريات فضائية
خلال العقود الماضية، أُحيطت قصة القارة المفقودة بمجموعة من أكثر الأساطير غرابة، من بينها ما يُعرف بـ«بذور النجوم»، وهم أشخاص يُزعم أنهم يحملون حمضاً نووياً لكائنات فضائية، إلى جانب كائنات شبيهة بالبشر تتكاثر بالبيض، وحتى حرب نووية وقعت في عصور ما قبل التاريخ.
وقدّم بعض أنصار التاريخ البديل الدراسات المتعلقة بقارة «موريتيا» المصغرة القديمة، الموجودة تحت مياه المحيط الهندي، بوصفها «دليلاً قاطعاً» على صحة أسطورة ليموريا.
لكن موريتيا ليست سوى تكوين جيولوجي، يمثل جزءاً من اليابسة المتبقية عن تفكك قارة عظمى قديمة، ولا تُعد أثراً لمجتمع متطور. ولم يُعثر فيها على أي أطلال أو قطع أثرية أو بقايا قديمة تثبت وجود حضارة عاقلة.
ولا توجد الصلة بين موريتيا وليموريا إلا في خيال محبي الغموض، الذين دمجوا اكتشافاً علمياً حقيقياً مع أسطورة يجري تطويرها منذ أكثر من 160 عاماً.
قصة نشأة ليموريا
طرح عالم الحيوان والجغرافيا الحيوية البريطاني فيليب سكلاتر فكرة ليموريا للمرة الأولى عام 1864. وفي محاولة لتفسير وجود الليمور في مدغشقر والهند، وغيابه تماماً في أفريقيا الأقرب جغرافياً إلى مدغشقر، افترض سكلاتر أن جسراً برياً كان يربط هذه المناطق في الماضي قبل أن تغمره المياه.
واكتسبت الفكرة شعبية واسعة، لكن العلم تخلى عنها بمرور الوقت، بعدما أثبتت نظرية حركة القارات أن الهند ومدغشقر كانتا بالفعل جزءاً من كتلة أرضية واحدة، وبالتالي لم تعد هناك حاجة إلى فرضية ليموريا لتفسير وجود الحفريات.
ورغم ذلك، استمرت الفكرة خارج الأوساط الأكاديمية وارتبطت تدريجياً بعالم السحر والتنجيم. وكان للزعيمة الروحية في القرن التاسع عشر هيلينا بلافاتسكي تأثير كبير في هذا التحول.
ففي كتابها «العقيدة السرية»، الصادر عام 1888، تحدثت بلافاتسكي عن سبعة «أجناس بشرية جذرية»، من بينها كائنات نجمية غير مرئية وسكان ليموريا، الذين وصفتهم بأنهم كائنات تتكاثر بالبيض. كما زعمت أن القارة غرقت في نهاية المطاف إلى قاع المحيط.
ولاحقاً، أضيفت تفاصيل جديدة إلى الأسطورة، إذ ادعى بعض أتباع الفكر الباطني في الولايات المتحدة أن الناجين من ليموريا أسسوا مدينة «تيلوس» تحت الأرض، أسفل جبل شاستا في شمال ولاية كاليفورنيا.
كائنات فضائية ومالديك ورماد نووي
اختلطت أساطير ليموريا لاحقاً بكتابات المؤلف البريطاني جيمس تشيرشوارد، الذي روّج لفكرة وجود قارة مفقودة أخرى تُدعى «مو»، زاعماً أن حضارة متقدمة تكنولوجياً ازدهرت فيها قبل نحو 50 ألف عام، وأنها كانت الأصل الذي انبثقت منه حضارات مصر والمايا وبابل.
وفي التفسيرات الحديثة، تطورت هذه الروايات لتشمل أفكار «بذور النجوم» والمهاجرين القادمين من كوكب أسطوري يُسمى «مالديك»، الذي يُزعم أنه كان يدور بين المريخ والمشتري.
وبحسب أساطير بعض الجماعات الروحانية الصغيرة، دمّر سكان مالديك كوكبهم بقنبلة هيدروجينية، فتحول إلى حزام الكويكبات، بينما فرّ الناجون إلى الأرض واستقروا في ليموريا، التي أصبحت بدورها ضحية لحرب نووية.
ويشير الكاتب نايجل واتسون، المتخصص في دراسة مزاعم التواصل مع كائنات فضائية، إلى أن أنصار نظرية «رواد الفضاء القدماء» يستشهدون بقصص سدوم وعمورة الواردة في الكتاب المقدس، أو بالزجاج المنصهر المكتشف في صحارى ليبيا، ويقدمونها على أنها آثار كوارث نووية قديمة.
لكن هذه النظريات جميعها تستند إلى ما يُسمى «الرسائل الروحية» والتفسيرات الاعتباطية للنصوص القديمة، وليس إلى حقائق أو أدلة علمية.
ماذا يقول العلماء فعلياً؟
بينما يواصل أنصار نظريات المؤامرة البحث عن آثار الكائنات الفضائية، يستمر علماء الجيولوجيا في دراسة قارة موريتيا المصغرة القديمة.
وقد وُصفت هذه القارة بالتفصيل في أبحاث علمية نُشرت عامي 2013 و2017. وتشير الدراسات إلى أن هذه الكتلة الأرضية انفصلت قبل نحو 200 مليون عام، خلال تفكك قارة غوندوانا العظمى.
وتمكّن العلماء من تحديد عمر بلورات الزركون المكتشفة في موريشيوس، إذ يبلغ عمرها نحو ثلاثة مليارات عام، بينما لا يتجاوز عمر الصخور البركانية في الجزيرة تسعة ملايين عام.
ومن خلال عمليات المسح الجاذبي وتحليل القشرة الأرضية، يعمل الباحثون على تحديد شكل موريتيا وحدودها بدقة أكبر. ومع ذلك، لا يبحث العلماء هناك عن سكان ليموريا أو سفن فضائية أو آثار حرب نووية.

