في عالم الفنانة الجورجية ليا باغراتيوني، لا تنتمي الصور التاريخية بالكامل إلى الماضي، ولا تبقى الأشياء اليومية عادية، بل قد تتحول مخلفات الحاضر يوماً ما إلى شواهد أثرية تروي قصة عصرنا.
يجمع معرضها الجديد «الأرض أنثى» بين المنحوتات القديمة، والجداريات الجورجية، ولوحات عصر النهضة، والأدوات المنزلية، والأكياس البلاستيكية المهملة، ليصنع فضاءً متحركاً من الذاكرة والدلالات، تظهر فيه المرأة بوصفها جسداً ورمزاً وذاكرة وقوة للخلق.

ويستمر المعرض حتى أوائل سبتمبر في مؤسسة «أناغي للفنون» بالعاصمة الجورجية تبليسي، مستكشفاً قدرة الصور والأشياء على اختزان الذكريات، واكتساب معانٍ جديدة، والتحاور عبر الأزمنة.
الأرض والمرأة.. ذاكرة وولادة وتحول

تقول باغراتيوني إن فكرة عنوان المعرض وُلدت قبل سنوات طويلة، خلال رحلة إلى منطقة توشيتي الجورجية، عندما كانت تتأمل طبيعتها الآسرة وتذكرت بيتاً للشاعر الجورجي فاجا بشافيلا يشبّه جمال المكان بصدر المرأة.
وتضيف: «في تلك اللحظة قررت أن الأرض أنثى بلا شك. وعندما بدأت التفكير في هذا المعرض، أدركت أن العبارة تعبّر بدقة عما أفعله».
وترى الفنانة أن العلاقة بين المرأة والأرض لا تقتصر على المجاز، فكلاهما يحتفظ بالذاكرة، ويمنح الحياة، ويتحول، ويحمل آثار الزمن. كما يعجبها الطابع الحاسم للعنوان لما يتضمنه من تحدٍ وفكاهة وسخرية وحرية شعرية.

مساحة حية من الذاكرة المشتركة
تجمع أعمال المعرض بين ذكريات شخصية وأدوات يومية وعناصر مستمدة من ثقافات وعصور متباعدة، إلا أن باغراتيوني ترى أن الرابط بينها لا يتمثل في الزمن أو الثقافة أو الوظيفة، وإنما في طبقة أعمق تشبه «الذاكرة الداخلية».
وتوضح أن هذه الأشياء تحمل آثاراً من التجربة الإنسانية، مثل اللمس والرعاية والعمل والولادة والموت والرغبة والحياة اليومية.
وتقول: «لا أرى المعرض مجموعة من القطع المنفصلة، بل مساحة واحدة حية، توجد فيها الأشياء مثل شظايا الأحلام أو الاكتشافات الأثرية الخارجة من لاوعي مشترك».

من الماضي إلى الحاضر
تعتمد باغراتيوني في أعمالها على صور تاريخية مألوفة تحمل ذاكرة جماعية، لكنها لا تعيد استخدامها لمجرد استحضار الماضي، بل تمنحها فرصة للولادة من جديد.
وتقول إن الصورة تبدأ حياة جديدة عندما تتوقف عن كونها مجرد أثر من الماضي، وتشرع في الحديث عن الحاضر، وأحياناً في مخاطبة الفنان أو المتلقي بصورة مباشرة.
وتعود في مسيرتها الفنية باستمرار إلى الرموز البدائية وعصور ما قبل التاريخ والعناصر المعمارية والكتابات القديمة، لأنها ترى فيها قدراً من الغموض لا تستطيع تفسيرات التاريخ وعلم الآثار الإحاطة به بالكامل.
وتؤكد أن قيمة هذه الرموز تكمن في بقائها مفتوحة أمام التأويل، بما يسمح بربط الماضي البعيد بالحاضر واكتشاف عناصر معاصرة داخل صور قديمة لا تزال قادرة على مخاطبة الإنسان اليوم.

حوار ساخر مع كبار الفنانين
تضع باغراتيوني صورتها الذاتية أحياناً داخل عوالم أعمال كبار الفنانين، مثل دييغو فيلاثكيث وبييرو ديلا فرانشيسكا، مستخدمة حساً واضحاً من الفكاهة والسخرية الذاتية.
وتوضح أن هدفها ليس الدخول حرفياً إلى تاريخ الفن، بل التأكيد أن هذا التاريخ ليس عالماً جامداً وبعيداً، وإنما فضاء حي يمكن لأي شخص دخوله والتفاعل معه.
وترى أن الفكاهة تقلل المسافة بين الجمهور والأعمال الكلاسيكية، وتفتح حواراً حول الزمن والوجه الأنثوي وفكرة التأليف الفني والطريقة التي ننظر بها اليوم إلى فنون الماضي.
وتضيف: «تعجبني فكرة أن الفن القديم يستطيع، من خلال هذه اللقاءات، أن يبدأ فجأة في مخاطبتنا بلغة معاصرة».
الجداريات الجورجية رمز حضاري
تستلهم عدة لوحات في المعرض صوراً من الكنائس والجداريات الجورجية. وبالنسبة إلى باغراتيوني، تتجاوز أهمية هذه الجداريات مضمونها الديني، إذ تمثل أحد أبرز الرموز الثقافية للحضارة الجورجية ومحاولة الإنسان تسجيل فهمه للعالمين المرئي وغير المرئي.
آلاف الأكياس تتحول إلى «جدارية مستقبلية»
في عملها التركيبي «الجدارية المستقبلية»، استخدمت باغراتيوني آلاف الأكياس البلاستيكية لتغطية جدران صالة العرض بسطح يشبه الجداريات التاريخية.
وتوضح أن المادة سبقت الفكرة، إذ احتفظت لسنوات بالأكياس البلاستيكية بدلاً من التخلص منها، رغم أنها مصممة للاستخدام القصير ولا تُمنح عادةً أي قيمة. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الأكياس إلى أرشيف للحياة اليومية.
ولإنجاز العمل، قامت الفنانة بكيّ آلاف الأكياس وإعادة تجميعها في مساحة واحدة تغطي الجدران. وترى أن عملية الكي تمثل بحد ذاتها فعلاً فنياً، لارتباطها بأحد أشكال العمل المنزلي النسائي غير المرئي، وبالأفعال المتكررة للرعاية وآثار الوجود الإنساني.
البلاستيك شاهد أثري على عصرنا
تتخيل باغراتيوني مستقبلاً يصبح فيه البلاستيك أحد أهم الشواهد الأثرية على العصر الحالي.
وتقول إنه مثلما نقرأ اليوم تاريخ الحضارات السابقة من خلال الآثار المادية التي تركتها، فقد يُقرأ تاريخ زمننا مستقبلاً، وبصورة مؤسفة، من خلال طبقات البولي إيثيلين المتراكمة.
ومن خلال معرض «الأرض أنثى»، تقدم ليا باغراتيوني رؤية فنية تتقاطع فيها ذاكرة المرأة مع ذاكرة الأرض، ويتحول فيها المهمل واليومي إلى وثيقة عن الإنسان والزمن والحضارة.

